كانت الليلة مظلمة بشكل غير معتاد، حتى النجوم بدت وكأنها تختبئ خلف سحب كثيفة، تاركة البحر يعانق الظلام بلا رحمة. الأمواج كانت هادئة، لكنها تحمل في طياتها شيئًا غريبًا، كأنها تتنفس بصمت، منتظرة لحظة الانفجار. السفينة الصغيرة، "ليبرتي"، كانت تطفو على سطح الماء بهدوء، وكأنها لعبة في حوض استحمام كبير. لكن هذه الليلة، لم يكن البحر يعاملها بلطف.
كان الكابتن "ماركوس" رجلاً قويًا، اعتاد على تحدي الأمواج والعواصف، لكنه شعر هذه الليلة بشيء مختلف. كان هناك صمت غريب يلف المكان، وكأن البحر يحبس أنفاسه. الطاقم المكون من خمسة أشخاص كانوا جميعًا على ظهر السفينة، يحاولون إصلاح محرك تالف توقف فجأة بعد منتصف الليل. لم يكن هناك أي سبب منطقي لتوقفه، لكن المحرك رفض الاستجابة.
"ما هذا الهدوء الغريب؟" قال "جون"، أحد أفراد الطاقم، وهو ينظر إلى الأفق المظلم. "كأن البحر مات."
"لا تقل ذلك!" ردت "سارة"، وهي البحارة الوحيدة على متن السفينة. "البحر لا يموت أبدًا. إنه فقط... ينتظر."
"ينتظر ماذا؟" سأل جون، لكنه لم يحصل على إجابة.
الصوت الأول
بعد ساعة من المحاولات الفاشلة لإصلاح المحرك، سمعوا صوتًا. كان خافتًا في البداية، مثل همسة تأتي من بعيد. لكنه سرعان ما أصبح أكثر وضوحًا. كان صوتًا غريبًا، كأنه مزيج بين صفير الرياح وأنين إنسان. الصوت كان يأتي من تحت السفينة، من أعماق البحر.
"ما هذا؟" قال ماركوس، وهو ينظر إلى الماء الأسود تحته. "هل سمعتم ذلك؟"
الجميع كان قد سمعه. الصوت كان يتكرر، وكأنه ينادي شيئًا ما، أو... شخصًا ما.
"ربما مجرد حوت،" قال أحد أفراد الطاقم، محاولًا تهدئة نفسه.
"حوت؟ في هذه المنطقة؟" ردت سارة، وهي تهز رأسها. "لا، هذا ليس حوتًا."
الظهور الأول
بعد دقائق، بدأت الأمواج تتحرك بشكل غريب. كانت تتصاعد وتنخفض بسرعة، وكأن شيئًا كبيرًا يتحرك تحتها. ثم، فجأة، ظهر شيء ما. كان ظلاً أسودًا ضخمًا يتحرك تحت السفينة، أكبر بكثير من أي سمكة أو حوت. الظل كان يلتف حول السفينة ببطء، وكأنه يدرسها.
"ما هذا الشيء؟!" صرخ جون، وهو يتراجع إلى الخلف.
"لا أعرف،" قال ماركوس، وهو يحاول إبقاء السفينة مستقرة. "لكن يجب أن نبتعد عنه!"
لكن السفينة كانت عالقة. المحرك لم يعمل، والأشرعة كانت عديمة الفائدة في هذا الهدوء الغريب. كانوا عالقين في منتصف البحر، مع هذا الشيء الذي يتحرك تحتهم.
الغوص في الظلام
بعد ساعات من الانتظار، قرر ماركوس أنه يجب عليهم التحقيق. كانوا بحاجة لمعرفة ما الذي يحدث تحت السفينة. ارتدى بزة الغوص، وأخذ معه كاميرا تحت الماء ومصباحًا قويًا. سارة حاولت إقناعه بعدم النزول، لكنه كان مصممًا.
"إذا لم نعرف ما هذا الشيء، فلن نستطيع الهروب،" قال ماركوس.
نزل إلى الماء ببطء، وكان الظلام يحيط به من كل جانب. المصباح كان يقطع الظلام، لكنه لم يكن كافيًا. كلما نزل أعمق، شعر بثقل الماء يضغط عليه، وكأن البحر يحاول سحقه. ثم، رأى شيئًا.
كانت عيونًا. عيون كبيرة، لامعة، تنظر إليه من الظلام. لم يكن يعرف ما إذا كانت تنتمي لسمكة، أو لشيء آخر. لكنها كانت تنظر إليه، وكأنها تدرسه.
"ما هذا؟" همس ماركوس، وهو يحاول الاقتراب.
فجأة، تحركت العيون بسرعة، وظهر شيء ضخم أمامه. كان مخلوقًا غريبًا، له جسم طويل يشبه الثعبان، لكنه كان مغطى بحراشف لامعة، وفمه كان مليئًا بأسنان حادة. المخلوق كان ينظر إليه، وكأنه يفكر في افتراسه.
"لا،" قال ماركوس، وهو يتراجع بسرعة. "لا، لا، لا!"
لكن المخلوق كان أسرع. انقض عليه بسرعة، وأمسك به بفكيه القويين. ماركوس حاول الصراخ، لكن الماء ملأ رئتيه. الكاميرا سقطت من يده، والمصباح انكسر، تاركًا الظلام يحيط به.
اللعنة
على سطح السفينة، كان الطاقم ينتظر بقلق. لم يعد ماركوس يرد على الاتصالات اللاسلكية، وكان الماء هادئًا مرة أخرى. لكنهم شعروا بشيء غريب. كان هناك شعور بالخوف يلفهم، وكأن شيئًا ما يراقبهم.
"يجب أن نذهب،" قال جون، وهو يرتجف. "هذا المكان ملعون."
"إلى أين نذهب؟" ردت سارة. "المحرك لا يعمل، وليس لدينا وقود كافٍ."
"ثم ماذا نفعل؟ ننتظر حتى يأكلنا ذلك الشيء؟"
فجأة، سمعوا صوتًا. كان صوت ماركوس، لكنه كان مختلفًا. كان يأتي من تحت السفينة، وكأنه ينادي لهم.
"تعالوا... تعالوا إلى هنا..."
"ماركوس؟" صرخ جون، وهو ينظر إلى الماء. "هل هذا أنت؟"
"نعم... تعالوا... ساعدوني..."
لكن الصوت كان غريبًا، وكأنه يحمل شيئًا شريرًا. سارة حاولت إقناع الجميع بعدم الاستجابة، لكن جون كان مصممًا.
"لا يمكننا تركه،" قال جون، وهو يبدأ في ارتداء بزة الغوص.
"لا تفعل ذلك،" قالت سارة، وهي تحاول إيقافه. "هذا ليس ماركوس."
لكن جون لم يستمع. نزل إلى الماء، وحاول اتباع الصوت. لكنه لم يجد شيئًا. فقط الظلام، والبرد، والصمت.
النهاية
بعد ساعات، عاد جون إلى السفينة. لكنه لم يكن كما كان. عيناه كانتا فارغتين، وكأنه فقد روحه. كان يتحدث بكلمات غير مفهومة، ويضحك بشكل هستيري.
"ما الذي حدث؟" سألت سارة، وهي تحاول فهم ما يجري.
لكن جون لم يجب. بدلاً من ذلك، نظر إليها بعينين فارغتين، وقال: "إنهم هنا... في الأعماق... ينتظروننا."
ثم، فجأة، بدأت السفينة تهتز. الأمواج أصبحت أكثر عنفًا، والظل الأسود عاد، لكن هذه المرة كان أكبر. كان هناك أكثر من مخلوق واحد. كانوا يحيطون بالسفينة، وينتظرون.
"ما هذا؟" صرخت سارة، وهي تحاول إبقاء السفينة مستقرة.
لكنها كانت معركة خاسرة. المخلوقات كانت كبيرة جدًا، وقوية جدًا. السفينة بدأت تغرق، والماء كان يملأها بسرعة.
"لا!" صرخت سارة، وهي تحاول الهروب.
لكنها كانت عالقة. الماء كان يلفها من كل جانب، والظلام كان يبتلعها. آخر شيء رأته كان العيون اللامعة، تنظر إليها من الأعماق.
الخلاصة
لم يتم العثور على سفينة "ليبرتي" أبدًا. البحث عنها توقف بعد أسابيع، وتم اعتبارها مفقودة في البحر. لكن بعض الصيادين الذين مروا بالقرب من تلك المنطقة قالوا إنهم سمعوا أصواتًا غريبة تأتي من الماء، وكأنها تنادي لهم.
البحر يحمل الكثير من الأسرار، وبعضها يجب أن يبقى مدفونًا في الأعماق. لكن أحيانًا، تخرج هذه الأسرار إلى السطح، وتطالب بحريتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق